سياسية

الايدي الخفية لروسيا في تطوير برنامج إيران النووي

قبل أسبوعين، أدانت إيران فرض عقوبات غربية على عدد من الكيانات والشركات التابعة لها، بسبب مزاعم المملكة المتحدة و دول أعضاء في الإتحاد الأوروبي بأنها (نقلت صواريخ باليستية إلى روسيا) لدعم حربها في أوكرانيا، وقالت بانها اتهامات لا أساس لها من الصحة ومزيفة.

كان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أول من قَدم هذا الادعاء في 9 أيلول/سبتمبر 2024، وبعد ذلك وسع الإتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عقوباتهما المالية ضد إيران، مُستهدفة موانئها وسفنها المُشاركة في نقل التقنيات الإيرانية مثل الطائرات بدون طيار و الصواريخ التكتيكية قصيرة المدى و القذائف بعيدة المدى ومكوناتها.

بينما تواصل الولايات المتحدة تسليط الضوء على تسليم إيران لصواريخ تكتيكية قصيرة المدى إلى روسيا، قال الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إن هذا يشكل تهديدًا مباشرًا لسلامة أراضي أوروبا وأمنها، مما يفتح الأبواب أمام عقوبات أكثر شدة والتي قد تفرض قيودًا أكثر صرامة على الطيران المدني بما في ذلك فرض عقوبات على الخطوط الجوية الوطنية الإيرانية.

تواصل إيران إنكار هذه الادعاءات، حيث أعلن وزير خارجيتها عباس عراقچي أن هذه المزاعم كاذبة، ناشئة عن معلومات إستخباراتية مزيفة، على الرغم من أن هذه هي المرة الثانية التي تُتهم فيها إيران بنقل صواريخ إلى روسيا.

في النصف الأول من عام 2022، سلطت المملكة المتحدة الضوء على نقل مُحتمل للصواريخ إلى روسيا من خلال نشر إحدى وسائل الإعلام الدولية إتهامات مُفصلة بنقل مثل هذه الصواريخ في شهر شباط/فبراير 2024، والتي سرعان ما تبعها تقارير أخرى تناولت الموضوع، وهو ما نفته إيران تمامًا.

و على الرغم من هذا النفي المتكرر، فإن الأدلة تشير إلى أن الدعم العسكري الإيراني لروسيا قد زاد بشكل كبير منذ الغزو الكامل لأراضي أوكرانيا في شهر شباط/فبراير 2022.

على وجه الخصوص، يشير الخُبراء من داخل مُجتمع الإستخبارات الغربي إلى الأدلة الدامغة على الإستخدام المكثف لطائرات بدون طيار من طراز “شاهد” ضد البنية التحتية الأوكرانية، من قبل روسيا، وكانت هذه التقنيات التي قدمتها إيران بمثابة مضاعفة القوة الأساسية لقوات روسيا، التي لا تزال بلا شك تواجه تحديات نقل وإيصال المعدات لقواتها، وتظل أدنى من الناحية التقنية في ساحة المعركة بسبب العقوبات الدولية الشديدة في حرب الإستنزاف.

على الرغم من الأدلة التي تشير بقوة إلى عمليات نقل الصواريخ من إيران إلى روسيا، إلا أنه لم يتم التحقق بشكل جوهري من إستخدام مثل هذه الصواريخ ضد البنية التحتية العسكرية أو المدنية الأوكرانية، وقد عزز هذا بيان الرئيس فولوديمير زيلينسكي في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2024.

يقترح أحد الخبراء من إيران أن التحقيقات الشاملة و الإبلاغ عن عمليات نقل الصواريخ الإيرانية المزعومة إلى روسيا هي جزء من إستراتيجية أوسع تهدف إلى منع إيران من تصعيد الهجمات المُضادة ضد اسرائيل، ضد الهجمات الإسرائيلية على غزة.

ولقد أشار أحد الباحثين (اللبنانيين) إلى أن مؤسسات الإستخبارات الغربية قد تتحكم في الرواية من خلال إصدار عناصر مُعينة من المعلومات الإستخباراتية بهدف إستنباط إستجابة مرغوبة من جمهور مُعين!

وفقاً للفرضية السابقة، فإن النشر المُبكر عن مثل هذه المعلومات الخاضعة للرقابة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها كان يتبع دليلاً من شأنه أن يبني ضغوطاً دبلوماسية على إيران، كـ”إشارة تحذيرية” ضد المضي قدماً في صفقة الصواريخ في المستقبل، مع روسيا.

وقد أكد زعيم سياسي سابق لا يزال نشطاً في الدوائر الدبلوماسية الإيرانية بقوة أنه لا توجد صفقة من هذا القبيل، سواء للصواريخ الكاملة أو التقنيات أو المكونات ذات الصلة، بين إيران و روسيا، وصنف مصادر الإستخبارات الغربية على أنها تخلق سيناريو “غامض لا أساس له”.

أستعرض مؤلفو هذه المقالة وثائق منشورة بشكل عام، وأدلة ميدانية ظرفية قارنوها بمقابلات شخصية، وخلصوا إلى أن التفسير المنطقي الوحيد يشير إلى نية الغرب منع إيران من إقامة علاقات عسكرية أكثر أهمية مع روسيا.

ولكن، إذا أخذنا هذه الفرضية على أنها فرضية هزيلة، فما الذي قد يدفع حكومة الرئيس الايراني الجديد( مسعود پزشكيان) إلى إتخاذ مثل هذا القرار إذا كانت إيران ستنقل أنظمة/تقنيات الصواريخ الباليستية إلى روسيا؟

الواقع أن الإجابة لا تكمن في الخلفية المُتمثلة في تعميق التعاون العسكري بين ايران وروسيا، أو في رغبة إيرانية في إكتساب المعرفة في مجال الدفاع الجوي و أنظمة الصواريخ التقليدية، بل الأهم من ذلك، رغبتها في طلب المساعدة من روسيا لتغذية طموحاتها النووية!

لقد كشفت الضربة الإسرائيلية الدقيقة على أهداف ( 22 هدف بحسب صحف غربية، مثل صحيفة وول ستريت جورنال) في إيران في الأسبوع الأخير من شهر تشرين أول/أكتوبر 2024، عن نقاط ضعف في دفاعاتها الجوية، والتي قد يسعى الحرس الثوري الإيراني إلى الإستعانة بالخبرة الروسية في مجالات الدفاع الجوي، والسعي إلى التعاون و الإنتاج المُشترك للأجهزة التقنية.

ولكن العامل الاستراتيجي الأساسي للتعاون العسكري بين البلدين يعتمد على خبرة روسيا في التقنية النووية وموقفها المتغير بشأن إنتشار الأسلحة النووية.

ونظراً لأن إيران تُعَد بالفعل بمثابة قوة مُساندة لروسيا، فقد تتمكن من دعوة الخبراء الروس لتعزيز طموحاتها النووية.

على مر السنين، يُعَد لروسيا الفضل في التأثير على البرامج النووية الإيرانية، بل وحتى الحَد من تقدمها إلى حد ما، ولكن هذه العلاقة المُتغيرة قد تجعل إيران تستخدم دعمها للعملية العسكرية الخاصة التي يشنها الرئيس الروسي ضد أوكرانيا، كوسيلة ضغط للحصول على دعم إيجابي لتطوير برنامجها النووي.

يتذكر أحد الخبراء المقيمين في إيران لقاءين مُنفصلين بين زعماء سياسيين إيرانيين ووفد علمي من روسيا، بهدف مراجعة سياستها النووية على أساس نهج أكثر مرونة تجاه الانتشار النووي من جانب روسيا.

من المؤكد أن هذا قد يعني أن روسيا سوف تتبنى موقفاً أكثر مرونة إزاء تسليح إيران لبرنامجها النووي!

في حين، ربما أعرب الرئيس الإصلاحي الجديد مؤخراً في إيران، عن رغبته في الدخول في مفاوضات مع الغرب، فإن روسيا قد تستغل هذه الفرصة لتغذية طموحات إيران النووية بصمت، حتى إلى الحد الذي قد يؤدي إلى توسيع برنامجها النووي.

بالنسبة لإيران، فإن إيران النووية تشكل منافساً مُحتملاً للحفاظ على نفوذ الغرب (أمريكا) وحلفائها، تحت السيطرة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، الأمر الذي قد يؤدي إلى قطع أي أمل (من جانب ايران) في التعامل مع الغرب.

إن هذا يلعب دوراً كبيراً في الخطة الإستراتيجية التي تتبناها روسيا في كلا المجالين، حيث تهدف إلى الارتقاء بإيران من مجرد طرف إقليمي إلى قوة إقليمية مُحتملة، الأمر الذي من شأنه أن يحطم أي أمل في تطبيع علاقاتها مع الغرب.

والسؤال الأكبر هو: هل ستشارك روسيا تقنياتها وخبرتها النووية مع إيران؟

إن الزمن وحده هو كفيل بإثبات بذلك!

بما أن إيران تمتلك كل الأوراق اللازمة لتعميق شراكتها الاستراتيجية مع روسيا، فإن المنطق وراء نية الغرب منع إيران من إبرام مثل هذه الصفقة يبدو أكثر وضوحاً.

وبالنسبة للرئيس الإيراني الإصلاحي، فإن هذه فرصة ذات مغزى ليس فقط لتعزيز القدرات الدفاعية لإيران، بل وكذلك لتحقيق هدف التحول إلى قوة نووية، و الإحتفاظ بنفوذها وتوسيعه في الشرق الأوسط، في حين تشكل تحدياً خطيراً لإسرائيل.

سوف يكون هذا على حساب طموحات ايران في التعامل مع الغرب، ولكن التحدي الحقيقي لهذه الأهداف قد يأتي من الحرس الثوري الإيراني، وأنصاره المُتشددين الذين هم على إستعداد للمغامرة، والتفكير في كل الخيارات المُتاحة لإستعادة النفوذ الإقليمي لإيران.

(ترجمة بتصرف لمقال رأي في موقع كييف بوست kyivpost لـ – أنانت ميشرا Anant Mishra، كريستيان كونيرت Christian Kaunert)

*لم يتطرق المقال لموضوع العقوبات الأممية المرتقبة على ايران، في حال لم تتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية!

*لم يتطرق لموضوع قدرة ايران على تحمل العقوبات المُحتملة لسنوات قادمة على استقرارها، في حال قررت المضي بتعاملها مع روسيا وترك الغرب جانباً، خصوصا اذا علمنا، وهو سر مفضوح برغبة دونالد ترامب في إرغام ايران على قبول إتفاق يحد بشكل كبير من طموحاتها النووية، والاقليمية، ودعمها المباشر للمليشيات الموالية لها.

*لم يتطرق المقال لموضوع سوريا، بعد سقوط نظام البعث، وهو نظام موالٍ لإيران منذ أكثر من 4 عقود!

أقرأ المزيد

المقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، لايمكن نسخ المحتويات